محمد بن جرير الطبري

216

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يا أمير المؤمنين ، الا ادلك على وجه هو أعود عليك من هذا ؟ فقال : وما هو يا عمر ؟ قال : المظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث ، قال : فأومأ إلى المطرقه ان يميلوا إلى دار المظالم ، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه ، وقال : قل لها ان عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك ، فملنا اليه ونحن عائدون إليك في غد إن شاء الله . وذكر عن عبد الله بن مالك ، أنه قال : كنت أتولى الشرطة للمهدي ، وكان المهدى يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه ، ويأمرني بضربهم ، وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم ، ولا التفت إلى ذلك ، وامضى لما أمرني به المهدى قال : فلما ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف ، فبعث إلى يوما ، فدخلت عليه متكفنا متحنطا ، وإذا هو على كرسي ، والسيف والنطع بين يديه ، فسلمت ، فقال : لا سلم الله على الآخر ! تذكر يوم بعثت إليك في امر الحراني ، وما امر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني ، وفي فلان وفلان - وجعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي ، ولا امرى ! قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ا فتأذن لي في استيفاء الحجة ؟ قال : نعم ، قلت : ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين ، ا يسرك انك وليتني ما ولاني أبوك ، فأمرتني بأمر ، فبعث إلى بعض بنيك بأمر يخالف به امرك ، فاتبعت امره وعصيت امرك ؟ قال : لا ، قلت : فكذلك انا لك ، وكذا كنت لأبيك فاستدنانى ، فقبلت يديه ، فامر بخلع فصبت على ، وقال : قد وليتك ما كنت تتولاه ، فامض راشدا فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرا في امرى وامره ، وقلت : حدث يشرب ، والقوم الذين عصيته في امرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه ، فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رايه في ، وحملوه من امرى على ما كنت اكره واتخوفه قال : فانى لجالس وبين يدي بنيه لي في وقتي ذلك ، والكانون بين يدي ، ورقاق اشطره بكامخ واسخنه وأضعه للصبية ، وإذا ضجه عظيمه ، حتى توهمت ان الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثره الضوضاء ، فقلت : هاه ! كان والله ما ظننت ، ووافانى من امره ما تخوفت ، فإذا الباب قد فتح ، وإذا الخدم قد دخلوا ، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم ، فلما